رهاب القرب: حين يصبح الحب مصدر خوف

Jun 14, 2025

Yellow Flower
Yellow Flower

بعد قراءة هذا المقال، ستفهم كيف يتشكل رهاب القرب والحميمية منذ الطفولة، ولماذا لا يكون النفور من العلاقات عدائية كما يبدو، بل درعًا نفسيًا ضد هجرٍ قديم لم يلتئم. ستتعرف على أنماط هذا الرهاب الخفية، من الخشونة والاندفاع إلى الانعزال الصامت، وكيف يمكن للثقة الواعية أن تصبح بوابة عبور من الوحدة إلى الأمان، ومن الخوف إلى علاقة لا تقوم على الهجر.

الوطن الذي غادرنا

١. معنى البيئة الحاضنة

البيئة الحاضنة ليست فضاءً مكانيًا، بل هي بيئة شعورية تمامًا؛ نصف قطرها الأول ذراع أب يحتوي، والنصف الآخر حضن أم رؤوم.

لكن حين تقرر هذه البيئة الرحيل عنا، بغياب جسدي أو بعدم حضور عاطفي، نظل غرباء طوال العمر، لا لأننا غادرنا الوطن، بل لأن الوطن هو من غادرنا.

٢. الهجر العاطفي وأثره العميق

هذا الهجر، الذي غالبًا ما يكون عاطفيًا لا جسديًا، يضرب في عمق النفس، ويؤثر في كل أشكال الاتصال الإنساني وتجلياته.

في الطفولة، تشوّه قالب الحب الأولي، وانغرس هذا التشوه في جوهر التكوين، محددًا شكل جهاز التواصل في أعمق نقطة من ذواتنا.

عندما يظهر رهاب القرب في السلوك

١. العدائية كقناع للخوف

إذا كنت تُثير الخلافات لأتفه الأسباب، ويميل تعاملك إلى الخشونة، فتطلق الاتهامات، وتنتقد بلسان حاد، وتُفرط في نصب الحواجز بينك وبين الآخرين، فهذه السمات ليست بالضرورة عدائية.

إنها في جوهرها رهاب من القرب والحميمية، جذره الخفي خوف من تكرار هجر الطفولة.

٢. بناء الحصون النفسية

كل ذلك ليس سوى جهد يائس لبناء حصن شاهق حول نفس أنهكها الألم.

إنها محاولة لصد وجعٍ جديد، وخشية من اتساع الجرح تحت وطأة خيبة أخرى، فتتشكل استجابة غريزية تصدّ أي محاولة للاقتراب من الندوب العميقة.

الانفتاح الظاهري والانغلاق العميق

١. العلاقات الواسعة بلا عمق

ليس من النادر أن يسعى أصحاب جروح الهجر إلى توسيع دائرة معارفهم، فيبدون منفتحين اجتماعيًا.

لكن هذا الانفتاح غالبًا ما يكون أفقيًا سطحيًا، لا رأسيًا عميقًا.

فمن ذاق مرارة الهجر يتجنب ترسيخ الروابط، إذ يرى في العمق بوابة لخيبات جديدة.

٢. العنف السلبي والانسحاب

في تجلٍّ آخر لرهاب القرب، تظهر العدائية في صورة العنف السلبي:

  • انعزال

  • انطواء

  • تقوقع داخلي

رسالة صامتة في ظاهرها، لكنها صاخبة في باطنها، توقظ شعور الذنب في نفوس الآخرين، وكأنهم هم سبب ما آلت إليه الحال.

التوق إلى القرب… دون الإفصاح عنه

١. التناقض الداخلي

العجيب أننا، خلال فترات الانطواء، نتشوّق في أعماقنا لمن يقتحم صمتنا، يكسر وحدتنا، ويهمس بأنه يشتاقنا ويأبى هجراننا.

لكن هذه توقعات مثالية تفتقر إلى الواقعية، إذ كيف للآخرين أن يدركوا حاجاتنا دون أن نبوح بها؟

٢. الخوف من الانكشاف

يميل أصحاب الجروح إلى التباعد، محافظين على مساحة آمنة تقيهم من الانكشاف الكامل.

يسكنهم اعتقاد بأن نقصًا فيهم هو سبب الهجر الأول، وأن أي كشف نفسي سيقود حتمًا إلى هجر جديد.

غير أن هذه المسافات تنسج فجوات مؤلمة، خاصة في العلاقات الحميمة، فيدور الإنسان في فلك الوحدة حتى وهو محاط بكثيرين.

دعوة إلى الثقة الواعية

١. إعطاء الفرصة لمن يستحق

أدعوك إلى احتضان الثقة حين يعبر طريقك من يستحقها، من يمد يده بحنو ليعينك على عبور جسر الوجع.

لا تصده، بل امنحه الوقت لملامسة الجراح.

تحمّل وخز الألم، فلعل لمسته الرقيقة تكون الدواء لنفس أثقلتها الخيبات.

٢. حين تصبح الثقة شفاءً

الثقة، حين تُمنح بحذر وحكمة، تشبه الضوء المتسلل إلى الزوايا المعتمة.

تنير دروب التعافي، وتعيد نسج خيوط الارتباط التي فتك بها الهجر، وتنقلك من الوحدة إلى بر الأمان.


اسمح لها أن تفتح أبواب الشفاء، فربما تجد في القرب ملاذًا يحمي، وفي الحب وطنًا لا يهجر.


د. ولاء قاسم

المقالات ذات الصلة

المقالات ذات الصلة

نأخذ العلم ونحوله إلى دفء يعانق كل لحظة في حياتك وحياة من تحب علاقات أعمق، حياة ألين، وروح تتنفس بحرية