قلوب مكبلة بخيوط الحب السامة

Apr 25, 2025

Untangled hearts
Untangled hearts

بعد قراءة هذا المقال ستتعلم كيف تتعرف على الأنماط التي تجعلك عرضة للعلاقات المؤذية، كيف تدرك الأسباب النفسية العميقة وراء الخضوع للأذى، وما الخطوات العملية التي تمكّنك من التعافي والتحرر الداخلي لتجنب الوقوع في علاقات سامة مستقبلاً.


أرسلت إلي مستفهمة، وربما شاكية معاتبة: “أشعر بظلم كبير من قِبل المعالجين والأطباء أمثالكم، حين يحملوننا مسؤولية علاقات كنا الضحايا فيها. ما ذنبنا إذا كان قدرنا الارتباط بشخص مؤذي دمر علاقتنا وكاد يدمر حياتنا أيضاً؟”

أود بداية، عزيزتي، أن أعبر عن تعاطفي الكامل معك وتقديري العميق لكل ما مررت به من معاناة. تأكدي أن كل ما سأطرحه هنا هدفه أن نأخذ بأيدي بعضنا نحو التعافي، الذي لن يتحقق مطلقاً من خلال التفكير القطبي القائم على نموذج “الجاني” في مقابل “الضحية”، رغم ما يمنحنا من ارتياح مؤقت بإلقاء اللوم على الطرف الآخر.

العلاقة لا تكون مؤذية لوجود شخص قرر أن يمارس الإساءة، بل إنها تنشأ عن تزواج الخلل بين الشريكين، ذلك الخلل يجعل أحدهما يحمل نفسية المؤذي والآخر يحمل قابلية الأذى.

وهذا يعني بالضرورة أن ندرك أن خضوعنا للأذى ليس قدراً أو مصادفة، بل هو نتيجة أننا نحمل شخصية أكثر استعداداً وجاهزية للإيذاء.

وقد يتبادر إلى أذهاننا سؤال منطقي: لماذا؟ ما الذي يجعل أشخاصاً بعينهم أكثر قابلية للتورط في مثل هذه العلاقات المشوهة أو المؤذية؟

١. فقدان الوالدين والجوع العاطفي

أول الأسباب التي تجعل البعض عرضة للإيذاء هو فقدان الوالدين والجوع لعاطفتهما. أحياناً يكون الوالدان موجودين جسدياً، لكنهما غائبان عاطفياً أو شديدي القسوة، مما يخلق فجوة نفسية واسعة تستنزف المشاعر وتسبب القلق الدائم حين يتحول الأبوين من مصدر أمان إلى مصدر خوف يضاف لقائمة مخاوفنا المتراكمة.

٢. الصورة السلبية عن الذات

تُعد “الصورة السلبية عن الذات” عاملاً مهماً. البعض يحمل صورة ذاتية مهتزة ومضطربة نتيجة تربية قاسية أو تجارب فاشلة، مما يدفعهم لتسول القبول من الآخرين. يشعرون بكفاءة واستحقاق عند الدخول في أي علاقة، فيتمسكون بتلك العلاقة رغم ما فيها من أذى لأنها توفر لهم الشعور بالقيمة، وتصبح كالمخدر الذي يقدفونه في عروقهم لمواجهة الحياة.

٣. الشخصية الإرضائية

من الشخصيات المعرضة للإيذاء نجد “الشخصية الإرضائية”، وهي شخصية حساسة تعيش لتلبية رغبات الآخرين، وتُظهر اكتراثاً كبيراً لمشاعر المحيطين وقد تنحر ذاتها لتجنب حزنهم أو غضبهم. هذه الشخصية تجذب إليها أشخاصاً غير متعاطفين يستخدمونها كحوض تفريغ لأوجاعهم وانفعالاتهم غير المنضبطة.

٤. الرومانسية المفرطة

قد تكون الرومانسية المفرطة أحيانًا سببًا في الوقوع في علاقات مسمومة. بعض الأشخاص يقضون وقتًا طويلاً في انتظار توأم الروح أو نصفهم الضائع، فيظلوا متطلعين إلى اليوم الذي سيُنقذهم من آلامهم ويُمسح عن جباههم غبار السنين. هذه النظرة السحرية المنفصمة عن الواقع تدفعهم للتشبث بأول شخص يظهر في حياتهم، دون تمحيص كافٍ لشخصيته أو دراسة مستقبل العلاقة واحتمالات نجاحها.

٥. الشفقة المبالغ فيها

يحمل بعض الأشخاص شفقة شديدة و”روحًا إنقاذية”، ظانين أنهم قادرون على إنقاذ المؤذي من شر نفسه من خلال إغداقه بالحب والصبر على إيذائه. يعتقدون أنهم الوحيدون المخولون بتغييره، فيراهنون على بياض متوهم ونورانية ضبابية داخله، مما ينسيهم الأذى الذي يتعرضون له يوميًا. حتى تتحول الشفقة إلى مشنقة تختنق بها كل صباح، في محاولة صبيانية لتغيير ما لا يمكن تغييره.

٦. التعافي والتحرر الداخلي

التعافي والتحرر، عزيزتي، لا يتحقق بمجرد الرحيل عن العلاقة دون استيعاب الدروس، لأن الرحيل لن يكون سوى هدنة مع الذات لا تلبث أن تنتهي ليتكرر الدرس من جديد. لذلك لابد من حصول تغيير داخلي عميق يحصننا من الدخول في علاقة مؤذية جديدة بذات النمط، لن يتغير فيها سوى وجه المؤذي واسمه.

ولعل أول خطوة يجب أن تسلكيها في طريق التعافي هي ملء فراغك العاطفي، تلك الفجوة اللعينة التي تهوي بك في رمال الأذى الناعمة دون قدرة على الفرار لتكتشفي أن كل تلك المعاناة لم تكن سوى محاولات بائسة لردم تلك الفجوة بطبقات من الوهم وخداع الذات.


د. ولاء قاسم

المقالات ذات الصلة

المقالات ذات الصلة

نأخذ العلم ونحوله إلى دفء يعانق كل لحظة في حياتك وحياة من تحب علاقات أعمق، حياة ألين، وروح تتنفس بحرية